اسماعيل بن محمد القونوي

172

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والقول بأن قوله تعالى إِذْ أَمَرْتُكَ [ الأعراف : 12 ] قد دل على أنه من جملة المأمورين فالقول بانقطاع الاستثناء مخالف لمنطوق الآية ليس بشيء لأنه مأمور به إما بالتغليب أو بدلالة النص كما قرره المصنف نقلا عن الزاعم كدلالة قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] الآية على حرمة الضرب والشتم وغير ذلك مما لا يحصى وتسليم دلالة هذه على تلك الحرمة دون دلالة تلك الآية على ذلك الأمر تحكم باطل فإذا حمل الاستثناء على المنقطع يحصل التفصي عن المقال في شأن الملائكة مع أنا مأمورون بحسن الأدب معهم والآيات الدالة على إطاعتهم وعدم مخالفة أمر ربهم آبية عن مثل هذا التكلم في حقهم قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 49 ، 50 ] وقال المصنف في تفسير قوله تعالى : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 27 ] لا يعملون قط ما لم يأمر به والآيات الدالة على عصمتهم ظاهرة في العموم ولا قرينة قوية على التخصيص وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من أن الملائكة نوعان نوع مجردون مطهرون ونوع ليسوا كذلك خبر واحد لا يزاحم الآية المذكورة ولا يخصصها وأما هذه الآية فلا دلالة لها على عدم العصمة إلا على تقدير واحد وهو كون الاستثناء متصلا وعدم الالتفات إلى تأويل من زعم ولا موجب لالتزام هذا الوجه إلا كون الأصل في الاستثناء متصلا وهذا إنما يتم إذا لم يعدل عن هذا الأصل أصلا وعدوله عنه أكثر من أن يحصى والعجب من المصنف أنه مال إلى هذا الوجه البعيد هنا مع أن دأبه أخذ الأحوط في مثل هذا ولم يرض به في قصة هاروت وماروت وحكم هناك بأن ما روي في شأنهما فمحكي عن اليهود فلو لم تكن العصمة لهم على العموم لما كان لرد ذلك وجه فتدبر فإن العقل يتحير . قوله : ( ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنيا ) والحق مع من زعم واللّه تعالى أعلم أنه كان جنيا لأنه خلق من نار لقوله تعالى حكاية عنه قال : أَنَا خَيْرٌ قوله : ولمن زعم الخ في لفظ الزعم أن ميل القاضي إلى أن إبليس من الملائكة وهو خلاف ما عليه الجمهور فحينئذ يجب المصير في اتصال الاستثناء وشمول الأمر بالسجود لإبليس إلى التغليب على ما قال صاحب الكشاف إلا إبليس استثناء متصل لأنه كان جنيا واحدا بين اظهر الألوف من الملائكة معمورا بهم فغلبوا عليه في قوله فسجدوا ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم ويجوز أن يجعل منقطعا تم كلامه هذا جواب عما عسى يسأل ويقال إبليس إما أن يكون من الملائكة أو لا يكون فإن لم يكن من الملائكة وقد أمر اللّه تعالى الملائكة بالسجود فعدم اتيانه بالسجود لم أوجب الإباء والاستكبار والمعصية وإن كان من الملائكة لم يكن من الجن لكن اللّه تعالى قال كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] فالجواب أنه وإن كان جنيا إلا أنه لما كان فيما بينهم معمورا بهم صار كأنه واحد منهم داخلا في خطابهم لأن الملائكة لما كانوا أشرف منه وهو فيهم وكانوا مأمورين بالسجود فبطريق الأولى أن يكون مأمورا ولهذا استثناه منهم استثناء واحد منهم فهو استثناء متصل لكن له جهتان جهة الملابسة والمخالطة وهو بهذه الجهة من الجن ففي الاستثناء إن نظرنا إلى الجهة الأولى كان استثناؤه استثناء متصلا وإن نظرنا إلى الجهة